ابن عربي
324
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
في اليهودي إن تنصر ، والنصراني إن تهود ، هل يقتل أم لا ؟ ولم يختلفوا فيه إن أسلم ، فإنه صلّى اللّه عليه وسلم ما جاء يدعو الناس إلا إلى الإسلام ، وجعل بعض العلماء أن هذا تبديل مأمور به ، وما هو عندنا كذلك ، فإن النصراني وأهل الكتاب كلهم إذا أسلموا ما بدلوا دينهم ، فإنه من دينهم الإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم والدخول في شرعه إذا أرسل وأن رسالته عامة ، فما بدل أحد من أهل الدين دينه إذا أسلم ، وما بقي إلا المشرك ، فإن ذلك ليس بدين مشروع وإنما هو أمر موضوع من عند غير اللّه ، واللّه ما قال إلا « مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ » ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : من بدل دينه ، وإنما لم يسم الشرك دينا لأن الدين الجزاء ، ولا جزاء في الخير للمشرك على الشرك أصلا ، لا فيما سلف ولا فيما بقي ، فما أراد بالدين إلا الذي له جزاء في الخير والشر ، ما هو الدين الذي هو العادة ، فهو الدين المشروع الذي العادة جزء منه ، وقوله : « عَنْ دِينِهِ » الأوجه أن يكون الضمير في الهاء هنا يعود على ما هو عليه في ضمير المخاطب « مِنْكُمْ » سواء ، وإن جاز أن يكون ضمير الهاء يعود على اللّه ، لكن الأصل في الضمائر كلها عودها على أقرب مذكور إذا عريت عن قرائن الأحوال .
--> طرأ ، من بعث بعثه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى نخلة إلى المشركين ، فأصابوا منهم ، وذلك في رجب وهو من الأشهر الحرم ، فعاب ذلك المشركون على المسلمين حيث أباح القتال في شهر حرام ، فلما وصل الخبر إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم نزلت هذه الآية « يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ » أي عن القتال فيه فقال اللّه لرسوله « قُلْ » لهم يا محمد « قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ » يعني ما أردتموه من قتالكم لنا في ذي القعدة لما صددتمونا « وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ » وعن المسجد الحرام الذي كان منكم لنا « وَكُفْرٌ بِهِ » أي كفركم فيه « وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ » أي إخراجكم لنا وللمؤمنين من أهل الحرم من الحرم ، كل ذلك « أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ » من قتالنا إياكم في الشهر الحرام « وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ » إما يريد الشرك وإما يريد ما امتحنوا به من كان عندهم من المؤمنين وعذبوهم على الإسلام ، كخباب بن الأرت وبلال وغيرهما ، يقول : ذلك أكبر من القتل فيه ، فهذا تقرير وتقريع كيف أنكرتم علينا أمرا هو بالنسبة إلى ما فعلتموه أنتم وما تفعلونه كلا شيء ، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم « وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا » وحتى هنا للعلة والسبب ، كما تقول : جئتك حتى تعطيني ، أي العلة في مجيئي إليك العطاء ، ثم أخبر اللّه المؤمنين فقال : « وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ » أي من يرجع لأجل الفتنة عن دينه ، أي عن إيمانه وتصديقه ، فإنه يقول : ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) « فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ » أي ويبقى